فخر الدين الرازي

180

تفسير الرازي

به الحرام ، لأن مع الشبهة يقع الاختلاط ، ومع الاختلاط ربما قبح الفعل وثانيها : أن لا يتبع ذلك الإنفاق مناً ولا أذى وثالثها : أن يفعله على نية التقرب إلى الله تعالى ، لأن ما يفعل رياء وسمعة لا يستحق به الثواب . أما قوله تعالى : * ( فيضاعفه له ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في قوله : * ( فيضاعفه ) * أربع قراءات أحدها : قرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي * ( فيضاعفه ) * بالألف والرفع والثاني : قرأ عاصم * ( فيضاعفه ) * بألف والنصب والثالث : قرأ ابن كثير * ( فيضعفه ) * بالتشديد والرفع بلا ألف والرابع : قرأ ابن عامر * ( فيضعفه ) * بالتشديد والنصب . فنقول : أما التشديد والتخفيف فهما لغتان ، ووجه الرفع العطف على يقرض ، ووجه النصب أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ لأن المعنى يكون قرضاً فيضاعفه ، والاختيار الرفع لأن فيه معنى الجزاء ، وجواب الجزاء بالفاء لا يكون إلا رفعاً . المسألة الثانية : التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يبلغ مثلين أو أكثر ، وفي الآية حذف ، والتقدير : فيضاعف ثوابه . أما قوله تعالى : * ( أضعافاً كثيرة ) * فمنهم من ذكر فيه قدراً معيناً ، وأجود ما يقال فيه : إنه القدر المذكور في قوله تعالى : * ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ) * ( البقرة : 261 ) فيقال يحمل المجمل على المفسر لأن كلتا الآيتين وردتا في الإنفاق ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لم يقتصر في هذه الآية على التحديد ، بل قال بعده : * ( والله يضاعف لمن يشاء ) * ( البقرة : 261 ) . والقول الثاني : وهو الأصح واختيار السدي : أن هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو وكم هو ؟ وإنما أبهم تعالى ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود . أما قوله تعالى : * ( والله يقبض ويبسط ) * ففي بيان أن هذا كيف يناسب ما تقدم وجوه أحدها : أن المعنى أنه تعالى لما كان هو القابض الباسط ، فإن كان تقدير هذا الذي أمر بإنفاق المال الفقر فلينفق المال في سبيل الله ، فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الفقر ، وإن كان تقديره الغنى فلينفق فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الغنى والسعة وبسط اليد ، فعلى كلا التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى وثانيها : أن الإنسان إذا علم أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا ، وبقي اعتماده على الله ، فحينئذٍ يسهل عليه إنفاق المال في سبيل مرضاة الله تعالى وثالثها : أنه تعالى يوسع عن عباده ويقتر ، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم ، لئلا يبدل